نبضات الناجي المفترض بمارمخايل: شهقة أمل تحت تراب بيروت

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نبضات الناجي المفترض بمارمخايل: شهقة أمل تحت تراب بيروت, اليوم الجمعة 4 سبتمبر 2020 08:44 مساءً

جاء أمل بيروت اليتيم بلهاث كلبة تدعى فلاش. حضرت من تشيلي مع فريق إنقاذ متخصّص للبحث عن مفقودي التفجير، وناجين محتملين من جريمة الدولة في المرفأ. فلاش، التي ليس في هيئتها دليل قوّة أو صفة كلب بوليسي، حملت الأمل بالحياة في المدينة. حتى لو لم يتمّ العثور على ناجٍ، واقتصرت العملية على سحب جثة مهشّمة متروكة لشهر تحت الأنقاض، تستحق فلاش كل تحية وحب. كلبة قدمت من الخارج لتقديم العون. شكل آخر من أشكال الدعم الخارجي المنتظر دائماً، لأنه ليس في هذه المساحة الجغرافية إلا فساد وسوء إدارة وقلة مسؤولية وانعدام أخلاق.
في ذكرى شهر أول مرّ على تفجير المرفأ، يجتمع مئات وربما آلاف المواطنين في ساحة الشهداء تأكيداً على أنّ ما حصل لن يمحوه إنقاذ سياسي أو دعم خارجي أو انبطاح حزبي داخلي. لا لشيء إلا لأنّ منظومة القتل تستكمل عاداتها السيئة بشكل شبه طبيعي، لتعيد تعويم نفسها وفسادها، على أنقاض ضحايا لا يزالون تحت المباني المدمّرة.

بطلة الشوارع
البطلة فلاش، شاركت في 20 عملية إنقاذ حول العالم، وساهمت في إيجاد ما لا يقلّ عن 14 شخصاً أحياء بعد مرور 28 يومياً على الأزمات. واسمها، أساساً، اسم بطل خارق في الرسوم المصوّرة وبعدها المتحركة والأفلام. غنّاه، وغنّاها، فريدي ميركوري عام 1980. تستحق فلاش تكريماً، ودرعاً وطنياً ونصباً وساحة تسمّى تيمّناً بها. فسائر أسماء شوارع المدينة باسم زعماء أو رؤساء أو جنرالات أو أبطال من البشر، محليين أو أجانب أو محتلّين أو مندوبين ساميين، ولا اسم فيها لبطل خارق واحد. وليس في كل هذه الشوارع أسماء تبعث الأمل الذي حملته فلاش معها من مسافة آلاف الكيلومترات.

أمل لا تعافي
قد يبدو ضرباً من الجنون، أن يخرج من تحت أنقاض المنطقة المنكوبة أحياء بعد 30 يوماً على الجريمة. يبقى أملاً، نتمسّك به من باب تقليص عدد ضحايانا لا أكثر. ليس في هذا الأمل تجسيداً للتحدي والتعافي الاجتماعي. ليس فعلاً من أفعال "القيامة من تحت الردم"، بمعانيها الشعرية والفلسفية. فقط نبش لشاهد آخر على المجزرة، يعيد إحياء ما تبقى فينا من نفس إنساني مخدّر. هو النفس الاجتماعي الذي حرّكته عملية الإنقاذ في مار مخايل. فتحرّكت الناس ميدانياً وفي الفضاء الإلكتروني تطرح كل ما يجب أن يُسأل عن سير العملية.

لهفة إنسانية
منذ مساء الخميس، وحتى مساء الجمعة، سؤال دائم حول الإشارات التي تم رصدها تحت الأنقاض. هي لطفل، لعجوز على كرسي متحرّك، لجسد ينبض بالحياة يجثو على جثة ميّتة أخرى.. وتكثر الروايات والتحليلات. هي لحيوان أليف، لكلب، لقط، لا يهمّ. ثمة حياة تحت هذه الأنقاض يجب العمل لإنقاذها. ومعلومات متداولة عن عدد حركة الشهيق الزفير. كانت 17 حركة بالدقيقة. أين الرافعة؟ وصلت الرافعة. تعمل الفرق على شفط الركام، أوجدوا خندقاً للدخول إلى بطن المبنى المهدّم. باتت حركة التنفّس تدل على 7 حركات بالدقيقة. تحرّكوا بسرعة! إننا نفقد الناجي! إننا نفقد الأمل المدفون تحت التراب.

في الظلمة
تحت هذا التراب، استنتاجات حرّة ومتروكة لنسجها في الخيال البشري، الشخصي والعام. يهتف القلب لانتشال ناجٍ. إن كان طفلاً، ربما رضع أصابعه حتى العظام. عشرة أصابع، وكل ثلاث أيام رضع إصبعاً حتى نشف حليبها. إن كان عجوزاً، استعاد كل ساعة ودقيقة وثانية، مصير الموت الدائم الذي عاشه في هذا البلد منذ عقود. لبناني أو أجنبي، استعاد الجحيم الذي عاش فيه على الأرض، فبلعه وأنزله إلى جحيم الوحدة والظلام والعجز. في الظلمة تحت الأنقاض، ربما صوت نقط ماء يتوالى كما في الأفلام والسيناريوهات المتخيّلة. أو حفيف خنفس انقلب عالمه السفلي، والأكيد أنه في هذه الظلمة حشرجةً، كان أو لا يزال، لا نعلم.

حصار الأصوات
تحت الركام، يستمع الناجي المزعوم لحركة الشارع، أو ما تبقى منه وفيه. صراخ ضباط أمن وعناصر كسولة. إلى جانبه عبر الرئيس الفرنسي وعبّر عن ادّعاءاته وآماله الزائفة. وهنا أيضاً الجولة الاستعراضية الأولى من البطولات السياسية لرئيس الحكومة المكلّف ووعوده. وفوقه تحديداً، ربما سمع فرقعة الكاميرا وتكتكاتها خلال جلسة تصوير رابعة الزيّات في الشارع. ورش بناء وإعادة إعمار أيضاً، وقرص زجاج وترميم جدران. حملة التعافي الاجتماعي انطلقت على أنقاض تقبع تحتها نفسٌ عالقة. وكذلك موجة الإنقاذ المالي والاقتصادي والسياسي، فتزيد من ثقل الإطباق على صدر الضحية. كلها أصوات حاصرت الضحية، وجاء لهاث فلاش ليضع حداً لها.

ينبض قلب الناجي من تحت الركام، هكذا قيل لنا. والمتأملّون منا يعتقدون أنّ بيروت نفسها تنبض من تحتنا. فتستمرّ فرق الإنقاذ في عملها بحثاً عن هذا النبض. تقوم بمهمّة أخرى بعد أن كانت آخر مهامها في المدينة في مبنى ليس ببعيد من مكان الحدث في مار مخايل. عثرت فرق الإنقاذ في ركام مرفأ بيروت على أشلاء غريبة. وبعد معاينة طبية ومخبرية وتحت عدسات المناظير، تبيّن أنها أشلاء ضمير آخر زعيم في البلد. ظهر أنها تالفة منذ عقود، مستترة وغير نافعة، لا يستوجب دفنها أو حرقها حتى.


إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق