"طائر غريب" لسوزان عكاري: فضاء ليس أرحم من أحشاء الأمّ

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

فارقنا حلم الوطن حزينًا، بصخبٍ وجنونٍ، لكن الدكتورة سوزان عكاري حاولت إعادته بعهدٍ وقلمٍ وألمٍ، رغم هزائمه المتواصلة مع القدر المترّبص. فكان كتابها (طائر غريب) التي أنهت كتابته عام 1984 وصدر عن "دار الفكر العربي" في "بيروت"، بطبعة وحيدة عام 2003.

بداية القصّة هجرة، مع أمنيات ضالّة تراقص المجهول. بطل حرب، بلحية نبتت قبل أوانها، كطفلٍ سئم الرحم، مستعجلًا إلى فضاءٍ ليس أرحم من أحشاء الأمّ، فكانت الحاضنة الاصطناعية بانتظاره. كما حضنت الأحزاب سنين من حياة مراهق. سنوات مرّت وراء المتاريس، ترقص المجون مع الجنون في غبار كل انفجار، تحفظ في ذاكرتها رصاص القنص والضحايا والدم البريء.

وكانت الصحوة، هل جاء ندمه على أفعاله الجرميّة ، التي تقدّسها الأحزاب وتعتبرها نبراسًا لديمومة الوطن، من رفض حبيبته لواقعه بالرغم من حبّها الكبير له؟ أم من سلام داخليّ في نفسه الصالحة التي كانت متوارية وراء العنجهيّة والعنتريّة.

خارطة الحياة الأليمة الراحلة تلك، على متن الطائرة، تُرسم بخوف، مرهقةً من أرق المجهول القادم، علّ الغربة تكون أرحم على النفس والجسد.

لقاء مع أخيه وزوجته في البلاد البعيدة، دون وداعٍ في الوطن لأمه وحبيبته، كي لا تُضاف لوعة الوداع على صوت الألم المبحوح داخله، ويكون حمله ثقيلًا وهو المسافر دون حقائب.

جنون من كوابيسٍ استوطنت المكان، وسكنت مخيّلته من دون استئذان، وخصوصًا عندما انفرد مع الوحدة في غياب أخيه وعائلته بداعي العمل والدراسة. فالذكريات لم تمت بعد قطع المسافات، وأبواب الحنين لم توصد لمن غرس وردة الحبّ في قلبه.

الغلاف.

زرع العمل الجديد نوعًا من الأمل في ضيق فسحة الحياة، وكانت الذكريات تتردّد أمامه عند كلّ كبسة زرّ لقتل حيوان وجعْله طعامًا لأترابه. فقد كانت هذه مهمّته، في معمل لصنع معلّبات خاصّة بطعام الحيوانات. تذكّر عندما كان يقنص ويقتل البشر في الوطن، لتكون جماجمهم مداميك عروش السياسيّين، ودمهم يصبغ كؤوس مآدب القصور، التي صُنعت بحرفة وحنكة خبيثة، لتكون مطبعة لأوراق نعي أحلام أطفال الوطن.

غريب آخر مثله، التقاه في عمله، كان بينهما عهد صداقة، بدايتها خوف لاختلاف الأديان، واستمرارها تضحية ورعاية، أوصلتهما إلى ثقة متبادلة.

لم يرتكب خطيئة الجسد المحموم، في غربة لم تبتسم ملائكتها لطيش زوجة أخيه غير البريء، عندما أغرته بجسدها ومفاتنها، وهو مازال سكران حتى الثمالة بجمال حبيبته، التي تسكن قلبه ومنزلًا في المقلب الآخر من الكوكب الأزرق، مندهشًا من تصّرفها الأرعن، متحسّرًا على غربة أخيه المضاعفة، ثائرًا للشرف المهان، لولا تدخّل صديقه، منبّهًا إياه على حريّة الفرد في تلك البلاد، هذه الحريّة التي كانت سلاح تلك المرأة على طريق الخطيئة.

مقتل أخيه جعله محقّق ظلّ، إلى أن أخذت العدالة مجراها، وأدينت زوجة أخيه بتهمة التحريض على القتل. عودته مع صديقه الوفي إلى الوطن، واجتماع عائلتهما، وخلاف ابنه مع ابن صديقه في باحة المطعم، بعد أن كانا خلّين وفيّين في الغربة، وعلامات الاستفهام التي رسمتها الكاتبة، كانت نهاية هذه القصّة الهادفة الرائعة.

أوحت إلينا الكاتبة عبر السطور الشفّافة، أنّ الفخر المقنّع بقتال أبناء الوطن، يتنافي مع العلاقات السامية كالحبّ والصداقة والإلفة، فالعبور إلى بحر الإنسانية الواسع، لا يكون بزوارق خشبها أجساد الضحايا: "عندما بدأ يستعرض القتلى الذين قضى عليهم، أخذت عيناها تتّسعان رعبًا، وصرخت بوجهه قائلة بصوت متهدّج: كيف تفعل هذا؟ هل أنت مجرم؟ ..."

بانت لنا خلال المعاني وحشيّة النفوس التي لا تزول إلّا باختراق تلك النفوس من وحشيّة تفوق وحشيّتها، فموت أبيه وعودته أشلاء، كانت صدمة دامية بخلفية إيجابية: "بكاه بكاءً لم يخطر له ببالٍ ولم يكن يشعر أنه قادر عليه، من أين أتته تلك الدموع؟ أتراه كان يستحم بها ليسترجع نظافة روحه!؟".

تسونامي من المشاعر الفيّاضة، لكاتبة صبّت الألم في مجرى حبرٍ، يصدح من أنين شعب بأطيافه المعذّبة في الوطن والمنافي، أنين حريّة وحنين يراقص العدم فوق السطور: "يحاول استرجاع أحلامه، فقد رأى أمّه حزينة لفراقه، وحبيبته أتت إليه، لحقته، كانت ترقص مشّرعة الذراعين، اِرتمت على كتفه، وأخذت تقبّله بنهم غريب!... لو تَصْدق الأحلام!... أيّ خيبة أن يفتح المرء عينيه من حلم لذيذ، وتتسرّب الدهشة من أصابعه كرمال مهاجرة!".

ما لمّحت إليه الدكتورة سوزان عكاري في بدايات ثمانينات القرن المنصرم من خلال نهاية قصّتها (طائر غريب)، قاله لنا الدكتور منصور عيد في نهاية رواية (خربة مسعود)، بعد حوالي ثلاثة عقود ونيّف من الزمن. هذا دليل واضح على تناسل أجيال أكياس الرمل ورقص الرصاص إلى ما لا نهاية. فموت مريم بطلة رواية (خربة مسعود) التي كانت تمثّل العيش المشترك واندماج حضارتين في شخص واحد، بزواجها من غير طائفتها، وخلاف أولاد أبطال قصّة (طائر غريب) على أرض الوطن بعد عودتهما إلى بؤر الطائفية، أكّد أن عيش الحضارات في مجتمع مسموم بحقد الحروب والتفرقة يغرق الأجيال في نفق لا نهاية له ولا خلاص سوى بتحقيق العدالة الاجتماعية وصون كرامة الإنسان.

لماذا يا سوزان عكاري جعلتِ أبطال قصّتك غرباء دون أسماء؟ هل لأنّ من يمارس القتل والخيانة والمجون لا يستحق إسمًا؟ فمنبع الأسماء صفات حميدة أو أسماء قدّيسين وأنبياء وصحبهم، أو كما يقول المثل الشعبيّ: "ما في اسم بزينو صاحبو". أو أنّ أبطال الرواية يرمزون إلى جيل حرب أخذت منهم عمرهم وأسماءهم وأغرقتهم في العبث.

أيتها الكاتبة الصادقة في الرؤية، هل يمكننا أن نسأل لماذا الإلفة في الغربة أشد وأكثر صلابة منها في وطن الأرز؟ هل أنّ السبب في المنافي يعود إلى وحشة النفوس، التي تضاهي في قسوتها غربة الوطن، في وطن مختلف عن محيطه؟. وهل أنّ العدالة الاجتماعية في البلدان المتطوّرة تجعل الإنسان منسجمًا أكثر مع إنسانيته فيحيا الأخوّة بجميع أبعادها؟

طائر غريب، قصّة كاتبة، صدحت من عنق دواتها تراتيل حزينة، على دروب جلجلة سار عليها الوطن، محبط الجسم، مشرق الجبين بعد أن مسحت وجهه بمنديل مغمّس بحبرها الفوّاح.

بالفيديو- ماذا طلبت الكتل السياسية من الرئيس المكلّف مصطفى أديب؟

ماذا طلبت الكتل السياسية من الرئيس المكلف مصطفى أديب؟

إخترنا لك

0 تعليق