أوباما في سوريا.. ماكرون في لبنان

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أوباما في سوريا.. ماكرون في لبنان, اليوم الجمعة 4 سبتمبر 2020 02:20 مساءً

عين الرئيس السوري، بشار الأسد، حسين عرنوس رئيساً للحكومة السورية. وسمّى أيضاً جميع الوزراء. صلاحيات الأسد "الدستورية" معروفة. الديكتاتور بكامل سلطته. وهؤلاء "الموظفون" في الحكومة هم بالطبع من أقرب الأتباع والمخلصين.

لا تعوز الأسد تعقيدات "الاستشارات" أو استمزاج آراء كتل نيابية أو قادة أحزاب. يسمّي ويكلف ويؤلف بلا منغصات أو عراقيل. تشكيل سلس وسهل للحكومات يحسده عليهما رؤساء آخرون، خصوصاً أولئك المتبرمون من وجود "شركاء مزعجين".  

وكعادة الأسد في كل أفعاله وقراراته، وضع لمسته الاحتقارية الخاصة (التي لا تخلو من تلذذ سادي بسلطته) فرأى أن يعين طبيباً بيطرياً، متخصصاً بأمراض ضرع الأبقار، وزيراً للتربية. وحسب نميمة المواطنين السوريين، فهذا البيطري "هو الرجل المناسب في المكان المناسب"، طالما أن الأسد ينظر إلى "رعيته" بوصفهم ماشية وقطيعاً في بلد تحول إلى مزرعة عائلية.

وعلى الأرجح، لم ينس بشار الأسد ولم يغفر وهو يفكر باختيار الشخص الأنسب لوزارة التربية، أن الثورة التي اندلعت قبل تسع سنوات، إنما يمكن اختصارها رمزياً بتلك الصرخة الشهيرة: "أنا ماني حيوان". ولذا، وثأراً من هذا تحديداً، لم يتورع الأسد كل هذه المدة عن أي اقتراف ممكن لإجبار السوريين على إعادتهم إلى الحظيرة وإلى تعريتهم من الكرامة ومن كينونتهم الإنسانية. قضى الأسد سنوات تسع في "تربية" السوريين كبيطري، لا حسب اختصاصه الأصلي: طبيب عيون.

ليس بشار الأسد شديد الاستثنائية عن رؤساء وحكام الكثير من بلداننا العربية، الذين تتملكهم نزعة "أبوية" صارمة وعنيفة تجاه رعاياهم الذين هم غير ناضجين ولا يعرفون صالحهم وليسوا مؤهلين للديموقراطية وما شابه. أما وزيره الملمّ بأمراض ضرع البقر، فهو أيضاً لا يختلف كثيراً عن وزراء في دول مجاورة لديهم المهارات الكافية في الوصول إلى هكذا منصب. مهارات لا علاقة لها بالشهادات الأكاديمية أو الخبرات العملية أو التجربة السياسية بقدر ما هي خصال وبراعة في التسلق أو التقرّب أو التزلف.. أو يكفيهم أن يكونوا من الأقارب والمصاهرين أو من الطائفة نفسها أو من الحزب ذاته.

على بعد كيلومترات قليلة من دمشق، يحدث في لبنان ترتيب حكومات ربما بكمّ أقل من العنف، لكن بجرعات مهانة تشبه إلى حد بعيد تلك المقاربة البيطرية. فأعضاء العصبة الحاكمة (ستة أو سبعة على الأكثر) الذين ينصاعون لـ"الأخ الأكبر"، هي بنظر دول العالم كما بنظر المؤسسات المالية العالمية أو المنظمات الأممية أو أي صحيفة أجنبية.. واحدة من أسوأ السلطات الحاكمة فساداً ورياء وانحطاطاً أخلاقياً وكذباً متمادياً. والاحتقار العلني للسلطات اللبنانية بأشخاصها يكاد يشبه الاشمئزاز الذي يبدونه تجاه بشار الأسد مثلاً، وإن اختلفت الأسباب.

وهذه العصبة اللبنانية المرذولة لا يسعها أن ترمي البراميل المتفجرة أو الأسلحة الكيماوية على "شعبها" (أو شعوبها) على طريقة الأسد. إنها أكثر ديبلوماسية وحصافة، إذا جاز القول. فهي تنزل الكوارث من العيار نفسه تدميراً للعمران وتحطيماً للبشر على نحو مغاير ومخاتل. إنها تنسب ما تقترفه إما إلى الشعب نفسه أو حتى إلى القضاء والقدر.. وأحياناً إلى "مؤامرة" خفية.

وعلى هذا المنوال، مثلاً، يمكن لهذه العصبة أن تكون طليعة محاربي الفساد، الأشد مقتاً للطائفية، الأكثر حماسة للقضاء والشفافية، الأسرع تبنياً لشعارات الثورة.. بل الأحرص على الثورة وأهدافها وصورتها.

المرونة الفائقة لديهم في تلبية "مطالب الشارع" تدهش أعرق الديموقراطيات. تريدون حكومة تكنوقراط؟ لما لا؟ تريدون استقالتها وتأليف حكومة أخرى؟ لا مشكلة. نظام بديع في قدرته على التكيّف. صحيح أن كل ذلك يشكل إهانة فظيعة لذكاء اللبنانيين، لكن هذا ثمن زهيد مقارنة مع التفاني الذي تبذله السلطة "من أجل مستقبل أفضل". الرئيس عون كان خير معبّر، حينما قال: "لبنان كان عصياً على التغيير. والحوادث التي حصلت أخيراً ستكسر هذا الواقع فيصبح التغيير أقرب". بمعنى آخر يجب أن نبتهج بالكارثة الاقتصادية وبانهيار الدولة وبجريمة تفجير نصف بيروت. إنها فرصة تاريخية لا تعوض، ليقودنا الجنرال إلى مأثرته الرابعة بعد "حرب التحرير" و"حرب الإلغاء" و"حرب الرئاسة" (نعم، حرب الرئاسة منذ نهاية ولاية إميل لحود 2007 ولغاية العام 2016). مأثرة سيكون عنوانها كمفارقة تاريخية ساخرة "إعادة الإعمار". أليس هو من قال: سأسلم البلد أفضل مما كان؟

لا حسان دياب ولا مصطفى أديب على شبه برئيس الحكومة السورية حسين عرنوس، وليسا طبيبين بيطريين. وبالتأكيد، من الصعب تشبيه عون بالأسد. لكن الواقعة الحزينة أن العالم الخارجي، الدول المؤثرة كأميركا وفرنسا، لديهم قناعة أن دولنا المتهالكة تشبه بعضها البعض وحكامها من الطينة الفاسدة عينها، وأن شعوبنا لا تستحق أفضل من ذلك.

هذا ما فعله أوباما في سوريا.. هذا ما يفعله ماكرون في لبنان. أما "أركان" الثورة ومجموعاتها التي لا تعرف أن توقّع ولو بيان بورقة واحدة معاً، فلها حسابها المؤجل.  


إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق